php //// End //// ?>
كيف يتراجع الإبداع مع التقدم في العمر، وكيف تستعيد عقلية الطفل لتفكير أكثر ابتكارًا.
يبدو الأطفال أكثر إبداعًا لأنهم يفكرون دون قيود، يطرحون الأسئلة بحرية، ولا يخشون تجربة أفكار غير مألوفة. ومع التقدم في العمر يكتسب الإنسان خبرة تساعده على التفكير الواقعي، لكنه يكتسب أيضًا فلاتر ذهنية تقلل من حرية الأفكار. وعندما تجمع بين فضول الطفل وخبرة البالغ، يمكنك استعادة التفكير الإبداعي وتحويل الأفكار الجديدة إلى حلول عملية.
إذا جلست يومًا تراقب طفلًا وهو يلعب، ستلاحظ أنه يستطيع أن يحول أبسط الأشياء إلى عالم كامل من الأفكار، فقد يصبح الكرسي مركبة فضائية، وقد تتحول قطعة خشب صغيرة إلى هاتف أو سيف أو شخصية خيالية، العالم له مساحة مفتوحة للتجربة والتخيل، وكل شيء قابل لأن يصبح فكرة جديدة.
وعندما يكبر الإنسان يتغير هذا المشهد، فيصبح تفكيره أكثر تنظيمًا وواقعية، ويكتسب خبرة ومعرفة تساعده على فهم العالم فهمًا أدق، لكن في المقابل، تقل أحيانًا تلك الحرية الذهنية التي تسمح للأفكار الغريبة أو غير المتوقعة بالظهور، ولهذا يبدو الأطفال في كثير من الأحيان أكثر إبداعًا من الكبار.
والسؤال المهم هنا ليس ما إذا كان الإنسان يفقد الإبداع مع التقدم في العمر، بل لماذا يتغير أسلوب تفكيره؟
الأطفال يمتلكون خيالًا حرًا وفضولًا قويًّا، في حين يمتلك الكبار خبرة ومنطقًا عمليًّا، وعندما يجتمع هذان الجانبان معًا (خيال الطفل وخبرة البالغ) تظهر غالبًا أفضل الأفكار وأكثرها قيمة.
في السنوات الأولى من حياة الإنسان يعتمد الطفل على الحواس والحركة لفهم العالم، فنجده يرى الأشياء ويلمسها ويحركها وأحيانًا يكرر التجربة نفسها مرات عدة، هذه المحاولات العفوية الصغيرة هي في الحقيقة طريقة الدماغ في التعلم، فكل تجربة صغيرة تضيف معلومة جديدة إلى عقل الطفل.
وعندما يسقط لعبة من يده ويرى أنها تقع في كل مرة، يبدأ عقله في إدراك علاقة السبب والنتيجة، وعندما يجرب تركيب لعبة معينة أو بناء نمط من المكعبات، فإنه يتعلم دون أن يشعر كيف يفكر ويحاول ويعدل محاولته.
لهذا السبب يعد اللعب من أهم وسائل التعلم في الطفولة، فاللعب ليس ترفيهًا فحسب، بل هو بيئة تجريبية آمنة تسمح للطفل بأن يختبر الأفكار ويجرب الاحتمالات المختلفة دون خوف، وفي أثناء اللعب يتعلم الطفل حل المشكلات، وتجربة الأفكار، واستخدام الخيال، وهذه المهارات هي في الحقيقة الأساس الذي تنمو عليه لاحقًا القدرة على التفكير الإبداعي.
توجد ثلاثة أسباب تجعل الأطفال أكثر إبداعًا وهم: الفضول، وعدم الخوف من الخطأ، والخيال الواسع.

أول هذه الأسباب الفضول، فالطفل يريد أن يفهم كل شيء من حوله، ولذلك يطرح أسئلة كثيرة، فقد يسأل لماذا السماء زرقاء، أو كيف تطير الطائرات، أو ماذا يحدث إذا فعلنا شيئًا بطريقة مختلفة، تلك الأسئلة ليست فضولًا عابرًا فحسب، بل هي بداية التفكير الإبداعي؛ لأن كل فكرة جديدة تبدأ غالبًا بسؤال.
أما السبب الثاني هو غياب الخوف من الخطأ، فالطفل لا يفكر كثيرًا في احتمال الفشل عندما يجرب فكرة جديدة، فإذا لم تنجح التجربة ببساطة يحاول مرة أخرى، أما عندما يكبر الإنسان، يبدأ أحيانًا في التردد قبل تجربة فكرة مختلفة خوفًا من الفشل أو من حكم الآخرين عليه.
بينما السبب الثالث يتعلق بالخيال، فالطفل يستطيع بسهولة أن يتخيل أشياء غير موجودة في الواقع، فقد يرى في صندوق صغير مركبة فضائية، أو يتخيل قصة كاملة عن لعبة صغيرة، فهذا الخيال الواسع يسمح للعقل بأن يربط بين أفكار مختلفة ويولد احتمالات جديدة.
إضافة إلى ذلك، يميل الأطفال بطبيعتهم إلى ما يعرف بالتفكير التباعدي، بمعنى أنهم لا يبحثون عن حل واحد فقط للمشكلة، بل يمكنهم اقتراح حلول عدة مختلفة في الوقت نفسه، وهذه القدرة على توليد خيارات متعددة هي أحد المكونات الأساسية للإبداع.
مع التقدم في العمر يبدأ الإنسان في اكتساب ما يمكن تسميته بالفلاتر الذهنية والتي أحيانًا تؤثر أيضًا على طريقة اتخاذ القرار، هذه الفلاتر ليست سيئة في حد ذاتها، بل هي جزء من عملية النضج، فهي تساعدك على اتخاذ قرارات واقعية وتجنب الأخطاء الواضحة.
لكن المشكلة تظهر عندما تصبح هذه الفلاتر شديدة الصرامة، ومع الوقت يتكون داخل العقل ما يشبه (الناقد الداخلي) الذي يقيّم الأفكار بسرعة كبيرة، فقد تخطر لك فكرة جديدة، لكن هذا الصوت الداخلي يقول فورًا إن الفكرة غير عملية أو غريبة أو قد لا تنجح.
الطفل في المقابل لا يملك هذا الناقد الداخلي بنفس القوة؛ لذلك تتدفق أفكاره بحرية أكبر، فكثير من الأفكار التي قد تبدو غير منطقية في البداية يمكن أن تتحول إلى فكرة جيدة إذا أعطيتها فرصة للتطور، لكن عند رفضها فور ظهورها، فإنها تختفي قبل أن تنمو.
البيئة تؤدي دورًا كبيرًا في تشكيل طريقة التفكير، سواء في الطفولة أو في حياة البالغين.
ففي مرحلة الطفولة قد تبدأ القيود عند التقليل من قيمة الأسئلة، وعندما يسمع الطفل عبارات مثل (لا تسأل كثيرًا) أو (هذا سؤال غير مهم) قد يتعلم تدريجيًّا أن الفضول ليس مرغوبًا، ومع مرور الوقت قد يقل طرحه للأسئلة.
وبعض الأنظمة التعليمية قد تعزز هذا الاتجاه عندما تركز فقط على الإجابة الصحيحة في الاختبارات دون تشجيع التفكير المختلف أو التجربة، وفي هذه الحالة يتعلم الطالب أن الهدف هو الوصول إلى الإجابة المتوقعة، وليس التفكير في طرق متعددة للحل.
لكن الأمر لا يتوقف عند الطفولة، حتى في حياة الكبار قد توجد بيئات عمل تقلل من الإبداع دون قصد، فعندما تكون الاجتماعات روتينية ومكررة، أو عندما يرفض المدير أي فكرة غير تقليدية بسرعة، قد يتعلم الموظفون أن أفضل طريقة هي الالتزام بالأفكار التقليدية فقط.
فالبيئة التي تشجع الأسئلة والتجربة تسمح للأفكار بالنمو، أما البيئة التي تركز فقط على الالتزام الصارم بالتعليمات فقد تقلل تدريجيًا من الجرأة على التفكير بطرائق جديدة.
من المهم أن تدرك أن إبداع الأطفال ليس بالضرورة أفضل من إبداع الكبار، بل هو مختلف في طبيعته.
فإبداع الطفل يعتمد على الخيال الحر؛ لذلك يستطيع إنتاج عدد كبير من الأفكار بسرعة، حتى لو كانت بعض هذه الأفكار غير قابلة للتطبيق في الواقع، أما إبداع البالغ فيعتمد أكثر على الجمع بين الخيال والخبرة، فيستطيع البالغ تقييم الأفكار واختيار ما يمكن تطبيقه منها في الحياة أو العمل.
بمعنى آخر، الطفل غالبًا ينتج أفكارًا كثيرة، في حين يمتلك البالغ القدرة على تحويل بعض هذه الأفكار إلى حلول واقعية، فالإبداع الحقيقي غالبًا يظهر عندما يجتمع هذان الجانبان معًا.
في السنوات الأخيرة بدأت بعض المؤسسات تهتم بفكرة تعرف أحيانًا باسم (اللعب الجاد) وفكرته تتمثل في استخدام أساليب اللعب لتحفيز التفكير عند التعامل مع المشكلات المعقدة، بدلًا من الاعتماد فقط على النقاش النظري في الاجتماعات، تستخدم بعض الفرق أدوات بصرية أو تفاعلية مثل الرسوم أو النماذج العفوية، فعندما يحاول الشخص رسم فكرة أو بناء نموذج صغير لها، يبدأ دماغه في التفكير بطريقة مختلفة.
هذه الأنشطة تساعد على تحرير التفكير من القوالب التقليدية، وتسمح بظهور أفكار قد لا تظهر في أثناء النقاش التقليدي، لذلك تستخدم بعض فرق الابتكار هذه الأساليب لتوليد أفكار جديدة وفهم المشكلات فهمًا أعمق.
يوجد تمرين صغير يمكنك تجربته عندما تشعر أن التفكير توقف عند مشكلة معينة.
حاول أن تشرح هذه المشكلة كما لو أنك تشرحها لطفل في السابعة من عمره، ستضطر في هذه الحالة إلى تبسيط الفكرة قدر الإمكان والتخلص من المصطلحات المعقدة، والمثير للاهتمام أن عملية التبسيط نفسها تساعد عقلك أنت على فهم المشكلة فهمًا أوضح، فكثير من الناس يكتشفون في أثناء هذه العملية أن الحل كان مخفيًا داخل التعقيد نفسه، فعندما تصبح الفكرة بسيطة، يصبح الطريق إلى الحل أكثر وضوحًا.
ليس الهدف أن تتصرف كأنك طفل، بل أن تستعيد بعض الصفات التي تميز طريقة تفكير الأطفال.
أول خطوة هي السماح لنفسك بالتجربة دون خوف مفرط من الخطأ، فكثير من الأفكار الجيدة تبدأ بمحاولات غير كاملة في البداية.
من المفيد أيضًا أن تحافظ على عادة طرح الأسئلة، فعندما تواجه مشكلة حاول أن تسأل نفسك أكثر من سؤال واحد حولها، أحيانًا تغيير السؤال يؤدي إلى اكتشاف زاوية جديدة للحل.
ويمكن للأنشطة الإبداعية مثل الرسم أو الكتابة أو بناء نماذج أن تساعد على تحفيز التفكير، هذه الأنشطة تسمح للعقل بالتحرر قليلًا من التفكير التحليلي الصارم، ويمكنك أيضًا استخدام الخرائط الذهنية لتوليد أفكار جديدة وتنظيمها.
ويوجد جانب آخر غالبًا يمكن تجاهله وهو البيئة الفيزيائية، فالأطفال يتحركون كثيرًا في أثناء اللعب، في حين يقضي كثير من البالغين ساعات طويلة جالسين خلف المكاتب، فالحركة الجسدية تساعد على تنشيط الدماغ وتحفيز تدفق الأفكار، وأحيانًا قد تأتيك فكرة جيدة في أثناء المشي أو في أثناء تغيير مكان العمل مدة قصيرة.
تغيير المكان أو الحركة الصغيرة قد يكون كافيًا أحيانًا لكسر الجمود الذهني وفتح مساحة لتفكير مختلف.
وإذا كنت ترغب في تنمية التفكير الإبداعي بطريقة عملية، فقد يساعدك التعلُّم المنظَّم على اكتساب أدوات واضحة للتفكير بطرائق مختلفة. يمكنك الاطلاع على كورس مهارات التفكير الإبداعي وصناعة الأفكار على منصة تعلَّم، حيث يقدم مجموعة من الأساليب التي تساعدك على تطوير طريقة تفكيرك وابتكار أفكار جديدة بشكل مستمر.
في النهاية نستخلص أن كل إنسان يولد بقدرة طبيعية على الإبداع، فالأطفال يظهر لديهم هذا الإبداع بوضوح بسبب الفضول والخيال وغياب الخوف من الخطأ، ومع مرور الوقت يكتسب الإنسان خبرة ومنطقًا يساعدانه على التفكير بطريقة أكثر واقعية، لكنه قد يكتسب أيضًا قيودًا ذهنية تقلل من حرية الأفكار.
وعندما تتعلم أن تجمع بين فضول الطفل وخبرة البالغ، فإنك تخلق توازنًا مهمًا في طريقة تفكيرك، هذا التوازن هو ما يسمح للأفكار الجديدة بأن تظهر، ثم تتحول لاحقًا إلى حلول عملية يمكن تطبيقها في العمل والحياة عامةً.
Reply to Comment