php //// End //// ?>
من لحظة التوتر حتى الذروة.
تخيل نفسك تشاهد عرضًا مسرحيًّا أو تقرأ نصًا كل شخصياته مهذبون ومثاليون إلى أقصى درجة، وجميعهم يعيشون في حب وسلام، ويتفقون جميعًا في وجهات النظر، ويؤيد كل واحد منهم كلام الآخر، هل تشعر بالمتعة؟ بلا شك لا، فسوف تشعر بالملل الشديد، وإن سألتك عن سبب هذا الملل ستقول: «لا يوجد جديد في الأحداث، لا يوجد مشكلة» إن ما تقصده وما افتقده العرض المسرحي هو الصراع الذي يجعل العمل مشوقًا وجذابًا للجمهور.
إن الصراع المسرحي هو عنصر أساسي في بناء المسرحية، ويعده النقاد هو القلب النابض الذي دونه يفقد النص الحياة، ويصبح مجموعة من المشاهد الثابتة غير القادرة على جذب وإثارة الجمهور، فالصراع هو العمود الفقري للنص المسرحي الذي يربط بين الشخصيات وبعضها بعضًا، ويظهر مدى التوترات الداخلية والخارجية للشخصيات، وهذا ما يحدده نوعه سواء كان داخلي تعيشه الشخصية داخل ذاتها صراعًا في رغبته أن يصبح ثريًا ورفضه تقاضي رشوة، أو يكون الصراع الخارجي بشريًّا ينشأ بين شخصيتين أو أكثر، أو بين الشخصية وقوى خارجية أخرى كالطبيعة مثلًا والظروف البيئية، وكلما كان قويًّا؛ استطاع الكاتب جذب الجمهور.
يمكننا تعريف الصراع المسرحي بأنه الخلاف أو التوتر الذي يحدث داخل الشخصية أو بين شخصيتين أو أكثر، أو بين الشخصية والقوى الخارجية، وقد يكون هذا الخلاف أو التوتر نفسيًّا، وقد يكون اجتماعيًّا، أو سياسيًّا أو جوديًّا، وهو الذي يدفع الأحداث إلى الأمام، ويطور الحبكة داخل النص المسرحي.

وللصراع المسرحي نوعان وهما (الصراع الداخلي والصراع الخارجي):
يطلق بعض المتخصصين على الصراع الداخلي أنه صراع مع الذات، وهو أقوى وأعمق أنواع الصراع وأكثرها تأثيرًا، وذلك لأنه يكون داخل الشخصية الواحدة، فتتصارع داخله مجموعة من الرغبات والأفكار والمشاعر المتناقضة، وهذا النوع من الصراع يكشف لنا عن الجوانب الخفية للشخصية، ودوافعها العميقة، ومدى قدرة الشخصية على مواجهة تحدياتها.
ومن أمثلة الصراع الداخلي: مشاعر الخوف والشك أو التردد، كشخص ناقم على الحياة ويود الانتحار والتخلص من حياته، ولكن صراع داخله يرفض ذلك حتى لا يموت مشركًا، أو شخص يعشق فتاة وترفض أسرتها زواجهما، وتعرض عليه الهرب معه، فيصبح في صراع بين رغبته أن تكون معه ورفضه كونه رجلًا أن يعرض محبوبته لهذا الموقف.
إن كان الصراع الداخلي يكون بين الشخص وذاته؛ فإن الصراع الخارجي يكون بين الشخصيات بعضها بعضًا أو بين الشخصية والبيئة المحيطة بها، وبلا شك الصراع بين الشخصيات يكون بسبب تعارض الأفكار والدوافع بينها، وهذا الصراع يظهر التوترات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد يكون بسيط كخلاف في وجهات النظر، وقد يكون قوي كالرغبة في السلطة أو البقاء، ويمكننا تقسيم الصراع الخارجي كما يلي:
الصراع بين شخصيتين: وهذا النوع من الصراع هو الأكثر انتشارًا في المسرح عادة، ويكون بين شخصين يتنافسان على شيء ما سواء كان الشيء معلن عنه أو يخفيه أحدهما أو كلاهما، وقد يقتصر على الحوار والحجج والبراهين، وقد يصل للمواجهة الجسدية أو يدبر كل واحد منهما المكايد للآخر، مثل شخصين يتنافسان على حب فتاة، ويحاول كل واحد منهما وضع الآخر في وضع سيء أمامها.
وحينئذ نجد شخصية تواجه مجموعة من الأشخاص أو مؤسسة أو الاستعمار، وقد يصل الأمر لمواجهة قريته أو بلده أو المجتمع كله، وغالبًا يلقي هذا النوع من الصراع الضوء على قضايا اجتماعية أو سياسية، مثل شخص يحاول إقناع أهل قريته بعدم زواج بناتهن في سن مبكر، أو مناضل وطني يحارب الاستعمار في بلده.
وفي هذا النوع من الصراع يواجه الإنسان قوى خارجة عن إرادته، مثل الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين والسيول أو المرض، مثل شخص أصيب بمرض ويحاول التغلب عليه، أو يواجه القدر بشيء لا علاقة له به وخارج عن إرادته، وهذا الصراع يجعلنا دومًا في تساؤل عن مدى أهميتنا البشر في هذه الحياة، ويشعرنا هذا الصراع بالضآلة.
الصراع في المسرح لا يظهر فجأة، فلا بد من بنائه وتطويره تدريجيًّا منذ البداية، وتكون بداية الصراع بسيطة جدًا، ثم تتصاعد بالتدريج مع تزايد حدة المواجهات بين أطرافه إلى أن يصل إلى ذروته قبل أن يبدأ في الانحسار ونصل إلى الحل.
ومن الأمور التي تساعد على تطوير الصراع وبنائه:
وفي النهاية يتضح لنا أن الصراع لا غنى عنه في أي عمل مسرحي، ولا بد أن يكون الكاتب على وعي بأنواعه وكيفية بنائه وتطويره، وأن يحرك شخصياته بما يخدم المشهد، وأن يعي جيدًا أنه ليس خلافًا عابرًا بين الشخصيات أو مشادة كلامية، فيجب أن ينبع من تضارب في المصالح.
وأخيرًا، هل شعرت يومًا أن شخصياتك صامتة رغم صخب المشهد؟ ربما تفتقد الصراع الذي يمنحها الحياة!
انضم الآن إلى كورس كيفية كتابة نص مسرحي مع هاني قدري على منصة تعلَّم، وتعلّم كيف تصنع التوتر، وتبني الحبكة، وتكتب مشهدًا خالدًا. خشبة المسرح تنتظر كاتبها... فكن أنت!
Reply to Comment