php //// End //// ?>
هل كنت تعلم أن نجاح جلسة السيكودراما يبدأ قبل بدايتها؟
وراء كل جلسة سيكودراما ناجحة معالج لم يترك شيئًا للصدفة، فكما يقال: «تظبيط الشغل أهم من الشغل» تلك المقولة تنطبق تمامًا على معالج السيكودراما، فلابد أن يعد لجلسته جيدًا قبل البدء فيها، فهي ليست تفصيلة جانبية، بل هي الخطوة الأهم في صنع الفارق بين جلسة تُغيُّر المشاركين وأخرى تُربكهم.
يظن كثيرون أن السيكودراما تبدأ عند رفع الستار مثلما يحدث في المسرح، وهذا اعتقاد خطأ، لأنها تبدأ عند لحظة الإعداد الدقيقة التي يقوم بها المعالج الناجح، لكن كيف يعد المعالج بالسيكودراما جلسته لتكون جلسة علاجية ناجحة محققة للأهداف؟ هذا ما نتناوله فيما يلي.
ترى الدكتورة إيمان الزيات استشاري السيكودراما أن إعداد جلسة السيكودراما لا بد أن يعتمد على الخطوات التالية.

يبدأ المعالج بأداة التعارف أو ما يسمى بكسر الجليد وهي ليست نشاطًا عاديًّا لملء الوقت فحسب، بل هي الخطوة الأساسية للقضاء على لحظات التوتر الأولي وخلق جو من الألفة بين المشاركين، وتختلف طريقة تنفيذها حسب طبيعة المشاركين واستعدادهم النفسي، لكنها في كل الأحوال تمهد الأرضية، فهي مفتاح الدخول لعالم السيكودراما.
ثم تأتي استمارة التعارف الأولية خطوة أساسية في بداية إعداد الجلسة، وتلك الخطوة مهمة في فتح باب التواصل الأول بين المعالج والمشاركين، وتحتوي البيانات الأساسية وبعض المعلومات الاختيارية، ولابد أن تتيح للمشارك فرصة للتعبير عن نفسه بالطريقة التي يفضلها، فهذا الأسلوب يجعله يشعر بالأمان والثقة، ويمهد لعملية الكشف التدريجي عن الذات، وهو ما يعد جزءًا مهمًا من المسار العلاجي في السيكودراما.
ومن بين التجهيزات المهمة أيضًا الأدوات التحفيزية، وهي مجموعة من الوسائل التي يُحضِّرها المعالج مسبقًا لتوظيفها في أثناء الجلسة حسب طبيعة المجموعة واحتياجاتها الانفعالية، وتُستخدم هذه الأدوات لتسهيل التعبير عن المشاعر وإطلاق الطاقات المكبوتة بطريقة رمزية وآمنة في الوقت نفسه، خصوصًا للأشخاص الذين يجدون صعوبة في التعبير اللفظي المباشر، ومن أبرز هذه الأدوات:
وهو تمرين مستوحى في الأساس من الأقنعة المسرحية القديمة، لكنه يُستخدم هنا وسيلة علاجية تسمح للمشارك أن يُعبِّر عن حالته العاطفية دون أن يحتاج إلى الكلام الصريح.
أداة رمزية، تُسلَّم لمن يتحدث في أثناء الجلسة وهي تساعد على الفصل النفسي بين التمثيل والواقع، فيدرك المشارك أن ما يجري داخل الدور التمثيلي هو مساحة آمنة للتجريب، وأن انتهاء التمرين يعني العودة إلى ذاته الحقيقية.
كذلك على المعالج أن يهيئ المكان وهو ما يُعرف بمسرحة المساحة العلاجية، وطريقة ترتيب المكان تُسهم في خلق الجو النفسي المناسب للمشاركين، ويقوم المعالج بترتيب الجلسة ترتيبًا دائريًّا، وهو ليس تنظيمًا شكليًّا فحسب، بل رسالة واضحة تقول إن الجميع متساوون، فلا أحد في مركز أعلى من الآخر، وكل شخص يمكنه رؤية الجميع والتفاعل معهم بسهولة، تلك التهيئة تزرع في المشاركين شعورًا بالوضوح والانتماء، وتؤكد أن ما يدور داخل الدائرة يظل داخلها، أي في إطار من السرية التامة والاحترام.
يعد دفتر الملاحظات هو ذاكرة المعالج التي تحفظ ما لا يُقال، لكنه لا يُدوَّن في أثناء الجلسة كما يفعل المعالج النفسي التقليدي، بل يراقب بعينه أولًا وبعقله ثانيًا، ثم يسجل لاحقًا ما رآه وسمعه وشعر به، فالملاحظة في السيكودراما ليست للأقوال فحسب، بل للأفعال أيضًا مثل: حركة اليد، ونغمة الصوت، والنظرة العابرة، حتى الصمت، فكلها إشارات تُرشد المعالج إلى أعماق الحالة التي يعالجها.
لكل مشارك ملف ذهني خاص لدى المعالج وهي يشبه خريطة تتجدد مع كل جلسة، إذ يُضيف إليها المعالج ملاحظاته حول التفاعل والانفعالات وردود الفعل، ليصمم لاحقًا تمارين تتطابق مع احتياجات كل فرد دون أن تُخل بتوازن المجموعة.
ولا يمكن تجاهل تأثير الألوان والموسيقى في الجلسة، فهما عنصران مؤثران في الجو النفسي عامة وفي جلسات السيكودراما خاصة، فالموسيقى والالوان الهادئة تساعد على الاسترخاء وإعادة التوازن، أما الألوان الزاهية أو الموسيقى السريعة قد تثير التوتر، خصوصًا إن كان يوجد في المشاركين من يعاني من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؛ لذلك يختار المعالج بعناية الألوان والأصوات التي تتوافق مع طبيعة المجموعة وحالتها.
ماذا لو حدث ما لم يكن في الحسبان؟ دعنا نتفق أن السيكودراما بطبيعتها مساحة مفتوحة للمشاعر، وقد تشتعل الانفعالات فجأة، فقد تشهد الجلسة لحظات انفعال غير متوقعة تتراوح بين البكاء أوالغضب أو الانسحاب.
حينئذ لا يُقاس نجاح المعالج بقدرته على منع هذه الانفعالات، بل بقدرته على احتوائها وإدارتها بوعي وثبات، فمواجهة هذه المواقف تتطلب من المعالج مرونة انفعالية وحضورًا ذهنيًّا متوازنًا، والثبات هنا لا يعني الجمود، بل الوعي الكامل بالموقف دون الانجراف خلفه.
وعند حدوث ما يُعرف بنوبة الغضب الانفجاري، على المعالج أن يحافظ على ثباته الجسدي والنفسي، فلا يرفع صوته، ولا يتراجع للخلف، ولا يُظهر خوفًا أو عداءً، فهذا الثبات الهادئ يُرسل للمشارك الغاضب رسالة أمان أن مشاعره مقبولة، وأن الجلسة ما زالت مكانًا آمنًا للتعبير عنها.

وإن تجاوز الموقف حدّ السيطرة، يمكن للمعالج تهدئة الأجواء بطلب استراحة قصيرة تمنح الجميع فرصة لاستعادة الهدوء، أو بالتحدث على انفراد مع المشارك المعني، ويُستحب أن يأخذ المعالج وضعية جسدية غير تصادمية، مثل الجلوس إلى جوار المشارك بدلًا من الوقوف أمامه، فذلك يُشعره بأن المعالج في صفّه لا ضده، ويُعيد إلى الموقف توازنه الإنساني.
السرية هي مبدأ أساسي لا يمكن التهاون به داخل جلسات السيكودراما، فلا يُسمح لأي عضو أو معالج بنقل ما يحدث في الجلسة إلى الخارج، ولا يجوز تسجيل أي مادة صوتية أو مرئية دون موافقة صريحة من المشاركين، وتلك القاعدة هي ما يضمن استمرار الثقة داخل المجموعة ويجعلها بيئة آمنة للتعبير.
إن إعداد جلسة السيكودراما الناجحة لا يُقاس بعدد الأدوات المستخدمة ولا بتنوّع التمارين، بل بما يكتسبه المعالج من خبرة حقيقية تنضج مع الوقت والتجربة، فالممارسة الطويلة وحدها هي التي تصقل الحس العلاجي لدى المعالج، وتمنحه القدرة على الثبات أمام المواقف المفاجئة دون ارتباك، وكما قالت زيركا مورينو، زوجة مورينو مؤسس السيكودراما: «المعالج لا يُصبح محترفًا بحق إلا بعد خمس سنوات من الممارسة الفعلية».
وأخيرًا، هل تتساءل كيف تُصبح أنت المعالج الذي يصنع الفرق داخل جلسة السيكودراما؟ تعلّم مع الدكتورة إيمان الزيات خطوة بخطوة كيف تُخطط وتُدير جلسات علاجية حقيقية تُغيّر حياة المشاركين. انضم الآن إلى دورة السيكودراما على منصة تعلَّم وابدأ رحلتك المهنية بتفرُّد.
Reply to Comment