php //// End //// ?>
قد تظنين أنكِ تساعدين طفلك، لكنك في الواقع تبطئين تقدّمه دون قصد…
تخيلي لحظة تقفين فيها أمام طفلك، تحاولين فهمه لتكوني له ملاذًا وداعمًا، لكنه يبدو مختلفًا عن الآخرين. بعض حركاته قد تبدو غريبة، ونظرته غامضة، وصمته عميق، فتشعرين أحيانًا بالارتباك، وقد تخطئين في التعامل معه، وهذا أمر طبيعي؛ فجميعنا قد نقع في الأخطاء دون قصد، خاصة حين نريد الأفضل لأطفالنا بسرعة.
السرعة! نعم، هي واحدة من أبرز الأخطاء التي تصعِّب التعامل مع طفل التوحد، لكنها ليست الوحيدة، توجد أخطاء أخرى سنتناولها في أسطر المقال مع توضيح طريقة تصحيح كل خطأ.
قبل أن نبدأ، يجب أن تؤمني بأن التعامل مع طفل يعاني من اضطراب طيف التوحد ليس سهلًا، لكنه ليس مستحيلًا. فهو يحتاج إلى الصبر، والفَهم، والملاحظة الدقيقة. لنبدأ.
هل توقعتِ أن يتحسن طفلك خلال أسبوع واحد؟
أول الأخطاء التي يقع فيها كثير من الأمهات والآباء أنهم يبدؤون جلسات التدريب بحماس كبير، ثم يصابون بالإحباط عندما لا تظهر النتائج الفورية. الحقيقة أن التقدم مع طفل التوحد يحدث ببطء، لكنه دائمًا تقدم حقيقي.
فمثلًا: إذا بدأ طفلك يطلب الطعام باستخدام صورة، فهذا نجاح قد تَرَيِهِ صغيرًا لكنه مهم؛ فكل خطوة صغيرة تستحق الاحتفاء. ويُنصح بتدوين هذه العادات ومراقبتها أسبوعًا بعد أسبوع؛ حتى تتمكني من رؤية التطور البطيء.
قد يتحدث طفلك بلغة لكنك لا تسمعينها بالكلمات، خاصة لو كان من الأطفال غير المتحدثين الذين يحاولون التواصل بالنظرات والإيماءات، أو إمساك يدك. وتجاهل هذه المحاولات قد يشعر الطفل بالإحباط ويدفعه للتراجع؛ لذا عليك أن تلتقطي كل محاولة تواصل مهما كانت صغيرة، وامدحيه وشجعيه. تخيلي أن ابتسامة عفوية أو رفع حاجب يمكن أن تكون بداية حوار معه، فالتواصل لا يقتصر على الكلام، بل يشمل كل لمسة وكل نظرة.
هل قلتِ يومًا: «أخته تتحدث وهو لا»؟ أو «ابن خالته أفضل منه»؟ هذه العبارات قد تظلم الطفل وتؤذي مشاعره، وهي إلى ذلك تكسر قلبك أنتِ أيضًا.
فإن كنتِ تميلين إلى المقارنة، فعليك أن تقارني الطفل بنفسه في الماضي، ثم تدوني ثلاث مهارات جديدة اكتسبها طفلك خلال الأشهر الستة الماضية، واحتسبيها إنجازات حقيقية تستحق الفخر. فبهذا الأسلوب يتحسَّن شعور الطفل بالإنجاز، وتزداد ثقتك بقدراته.
لم يكن الصراخ أو التهديد يومًا طريقةً لتعليم الطفل عامة وطفل التوحّد خاصة؛ فهذا يولِّد الخوف والتوتُّر فقط، ولا يُنتج تعلُّمًا حقيقيًّا. بدلًا من ذلك، استخدمي التشجيع والثبات في التوجيه. وعندما يخطئ الطفل، خذي نفسًا عميقًا ووجِّهيه بهدوء، وعندما يفعل سلوكًا إيجابيًّا، امدحيه وكافئيه ولو بمكافأة صغيرة.

قد يدفعكِ الحب أحيانًا لفعل كل شيء بدلًا من طفلك، لكن هذا قد يؤخر استقلاله ويجعله يعتمد عليكِ في كل شيء؛ لذا عليكِ أن تمنحيه فرصته ليحاول بنفسه، حتى لو احتاج وقتًا أطول أو أخطأ. ويمكنك ذلك بسهولة بأن تختاري نشاطًا يوميًّا واحدًا مثل الشرب من الكوب أو ارتداء الملابس، ودعيه ينجزه بنفسه مع تقديم نصف مساعدة وتشجيع دائم. فهذا يعلمه الصبر ويشجعه على الاعتماد على ذاته تدريجيًّا.
هل لاحظتِ أن كل تغيير غير متوقع يُربك طفلك؟ فالأطفال المصابون بالتوحُّد يجدون الأمان في الروتين، وكل تغيير مفاجئ قد يزيد توترهم ويؤثر في سلوكهم؛ لذلك ضعي جدولًا يوميًّا مصوّرًا يشمل مواعيد اللعب، والطعام، والحمَّام، والنوم في مكان واضح على مستوى نظر الطفل. فهذا يشعر الطفل بالأمان والاستقرار، ويجعله أكثر استعدادًا للتعلُّم والتفاعل.
تخيَّلي أن طفلك يحمل في جسده مرآة لكل صوت وكل لون وكل لمسة؛ فإذا دخلت غرفة ذات أضواء قوية أو كان زر قميصه خشنًا، فقد يشعر وكأن عاصفة صغيرة بدأت في داخله. والخطأ يكمن في أنك تجاهلتِ المؤثرات المزعجة؛ لذا ابتعدي عما يزعج طفلك من الأصوات والملمس والإضاءة، وحاولي تهيئة بيئة أكثر لطفًا، أو امنحيه وقت استراحة حين يشعر بالضغط.
هل طرحتِ عليه مهمة من غير تهيئة؟
مثلًا: «اذهب ارتدِ القميص ثم اشرب العصير ثم العب» فجأة؟ هذا يشبه أن تطلبي من شخص جديد قيادة سيارة في مدينة مزدحمة دون إعطائه خريطة. عليكِ أن توضحي التعليمات له بصور أو كلمات قصيرة، وانتظري حتى ينجزها، ثم انتقلي إلى الخطوة التالية، بهذه الطريقة لا تشعرينه بالقلق أو أن المهمة كبيرة جدًّا أو مستحيلة.
أحيانًا يفكر الآباء في كيفية جعل طفلهم المصاب بالتوحد طبيعيًا مثل باقي الأطفال؛ وهذا شعور يمر به كثير من الأهل في البداية، لكن التركيز المفرط على إصلاح التوحد أو محاولة جعله يختفي قد يسبب ضغطًا نفسيًّا كبيرًا ويهدر فرص الفهم والتقدم الحقيقي.
يجب أن تذكري أولًا أن طفل التوحد ليس بحاجة لأن يتغيَّر جذريًّا ليكون محبوبًا، بل يحتاج أن يُفهَم كما هو؛ لذا اجتهدي أكثر في فهم خصائصه والتفاعل معها، واعملي على دعمه لينمو ضمنها لا ضدَّها؛ حينئذ ستصبحين أكثر رحمة، وسيشعر هو بالأمان الذي يحتاج إليه ليتحسن.
نستنتج في النهاية أن التعامل مع طفل التوحّد ليس سهلًا، لكنه ممكن ومثمر إذا التزمنا بالفهم والصبر، ابدئي بخطوة واحدة: اختاري خطأً من الأخطاء السابقة واعملي على تصحيحه خلال أسبوع، مع تدوين الملاحظات ومتابعة أثر التغيير على طفلك.
وتذكَّري دائمًا أن كل تقدُّم صغير هو نجاح كبير، وأن الحبَّ والصبر هما سلاحكِ القوي.

وأخيرًا، جرّبي أن تبدأي رحلة الفَهم الحقيقية مع طفلك من خلال دورة تربية طفل التوحد مع الدكتور محمد عبدالله على منصة تعلَّم. ستتعرفِ فيها خطوة بخطوة على أساليب التعامل الصحيحة، وكيفية تجنّب الأخطاء التي تحدّثنا عنها، لتمنحي طفلك دعمًا حقيقيًا يُثمر تقدمًا واضحًا يومًا بعد يوم.
Reply to Comment