php //// End //// ?>
ما لا تعرفه عن الرقابة على الصحافة المصرية.
منذ أن ظهرت أول صحيفة في مصر في عهد محمد علي، ارتبطت الصحافة المصرية بالرقابة ارتباطًا وثيقًا. فالكلمة المكتوبة لم تكن وسيلة لنقل الأخبار فحسب، بل تحولت إلى ساحة صراع بين السلطة التي تفرض قيودها والصحفيين الذين يسعون إلى الدفاع عن حرية الصحافة. ومع تغير الأنظمة السياسية والظروف التاريخية، ظل هذا الصراع حاضرًا بأنواع مختلفة، من حذف المقالات والصفحات البيضاء، إلى إغلاق الصحف وإعادة إصدارها بأسماء جديدة.
كانت البداية مع صحيفة الوقائع المصرية التي أسسها محمد علي في القرن التاسع عشر، فقد كانت لسان حال الدولة، لم يكن يُسمح بنشر أي محتوى خارج سيطرة السلطة، ما جعل الرقابة جزءًا أساسيًا من الصحافة منذ نشأتها.

مع الاحتلال البريطاني عام 1882، تحولت الرقابة إلى ما عُرف بـ«الرقابة السابقة للنشر». لم يكن يُسمح بخروج خبر أو مقال إلا بعد موافقة السلطة، ما أدى إلى صدور أعداد بصفحات بيضاء أو أعمدة فارغة كما حدث في مجلة السفور وصحيفة الأهرام.
في هذه المدة أيضًا وُجهت اتهامات لشخصيات بارزة مثل الإمام محمد عبده بالتعاون مع الاحتلال على الرغم من مواقفه الوطنية ومساندته للثورة العرابية.
جاء دستور 1923 ليغيِّر طريقة الرقابة، فانتقلت من سابقة للنشر إلى لاحقة، وهو ما سمح بقدر أكبر من الحرية. في هذه المرحلة ظهرت صحف قوية مثل روز اليوسف التي كسرت الخطوط الحمراء وهاجمت الوزراء ورموز السلطة، حتى إنها كلما أُغلقت عادت للصدور بأسماء جديدة مثل (الصرخة). كما برزت مجلات ساخرة مثل الكشكول التي استخدمت الكاريكاتير في نقد الحكومة.
بعد ثورة يوليو عاش الصحفيون مدة قصيرة من التفاؤل، لكن سرعان ما فرضت الدولة قبضتها عبر قوانين وتشريعات جعلت الصحافة تحت سيطرتها المباشرة، فازداد التضييق زيادة أوضح بعد حرب أكتوبر 1973، إذ عدَّت قضايا معينة مرتبطة بالأمن القومي ولا يجوز تناولها بحرية.

في الثمانينيات ارتفع سقف حرية الصحافة تدريجيًّا، فظهرت صحف معارضة مثل صحيفة الشعب وصحيفة الوفد التي خاضت معارك علنية مع الحكومة.
إحدى أبرز المواجهات كانت صراع صحفة الوفد مع وزير الداخلية زكي بدر الذي استمر أكثر من عام وأثر حتى في السينما المصرية. هذه المرحلة أثبتت أن الصحافة قادرة على الثبات على الرغم من القيود، وأن الرأي العام بدأ يؤدي دورًا أكبر في مواجهة السلطة.

إنّ تاريخ الصحافة المصرية يكشف عن أن الرقابة لم تكن يومًا استثناءً، بل واقعًا دائمًا منذ البداية. ومع كل مرحلة تغيَّرت أدوات الرقيب، لكن ظل جوهر الصراع واحدًا: حرية التعبير في مواجهة سلطة لا تتسامح مع النقد.
وعلى الرغم من التضييق المتكرر، وجد الصحفيون دائمًا وسائل للتحايل، سواء بترك صفحات بيضاء أو إعادة إصدار الصحف بأسماء جديدة. هذا التاريخ الطويل ليس ماضيًا يُروى، بل نتيجة لمعركة ما زالت مستمرة حتى اليوم حول مستقبل الإعلام في مصر.
وأخيرًا، إذا كان تاريخ الرقابة على الصحافة قد أدهشك بما يحمله من قصص وصراعات، فتخيَّل كم من الحكايات الأخرى ما زالت خافية.
لا تفوِّت فرصة الالتحاق بدورة الأرشيف مع الكاتب الصحفي محمد توفيق على منصة تعلَّم، لتكتشف بنفسك كيف صُنعت ذاكرة الصحافة المصرية وما وراء الكواليس التي لا تجدها في الكتب.
Reply to Comment