php //// End //// ?>
هل يمكن للفن أن يعالجنا؟ اكتشف السيكودراما، علاج النفس بالفن والتمثيل.
حين نتحدث عن العلاج النفسي، فما الصورة الأولى التي تتكون في ذهنك؟ غالبًا ما تفكر في الأدوية أو الجلسات التحليلية المطوَّلة، لكن ماذا لو وُجد طريق آخر يجمع بين الإبداع والشفاء؟ طريق يسمح للإنسان بأن يواجه نفسه بالفن، ويُعبِّر عما يعجز عنه بالكلمات.
حينئذ يظهر العلاج بالفن أو ما يسمى بالسيكودراما، المجال الذي يفتح بابه لكل من يبحث عن وسيلة علاجية غير دوائية، أو لمن يمتلك موهبة فنية ويريد أن يوظفها في فهم ذاته ومساندة الآخرين، والعلاج بالدراما هو أحد أوجه هذا العالم الرحب من العلاجات الفنية، إذ يقوم على مساحة تلتقي فيها الفنون التشكيلية والموسيقى والكتابة مع علم النفس، ليعمل الجميع على تحقيق التوازن النفسي والتعبير عن الذات.
السيكودراما، أو ما تُعرف أحيانًا بالعلاج بالفن، هو أسلوب علاجي يستخدم الفنون بمختلف أشكالها—كالتمثيل والرسم والموسيقى والرقص—وسيلة للتعبير عن المشاعر وفهم الذات. يهدف هذا النوع من العلاج إلى مساعدة الأشخاص على استكشاف ما بداخلهم بطريقة آمنة وغير لفظية، فيتحول الفن إلى لغة بديلة تُمكّنهم من التواصل مع ذواتهم وتحرير ما يعجزون عن قوله بالكلمات.

الإجابة تتضح حين نعرف أن هذا النوع من العلاج لا يقتصر على الجانب النفسي فحسب، بل يتوغَّل في العمق الإنساني لكل شخص، ليُعيد إليه صلته بذاته. فالسيكودراما ليست علاجًا فحسب، بل رحلة اكتشاف ذاتي تساعد الإنسان على الإجابة عن سؤال: من أنا؟
ولعل الصعوبة في الإجابة عن هذا السؤال تنبع من أن صورة الإنسان عن نفسه كثيرًا ما تتأثر بنظرة الآخرين إليه. وحينئذ يأتي دور السيكودراما لتعيد الوصل بين الداخل والخارج، أي بين الذات وصورتها، فحين يُطلب من الفرد أن يُمثّل مشهدًا من حياته على المسرح العلاجي، يرى نفسه بوضوح جديد، يتأمل ما كان يخفيه، ويتعامل مع ما كان يخشاه.
هل جرَّبت يومًا أن تتبادل الأدوار مع شخص آخر لترى الموقف من زاويته؟ أو أن تشاهد نفسك كما لو كنت في مرآة؟ هذه بالضبط بعض تقنيات السيكودراما، مثل تبادل الأدوار والمرآة والمونولوج التي تهدف إلى ما يسمى (التعرض الآمن)، أي إعادة تمثيل المواقف الصعبة في بيئة آمنة تسمح بتحرير المشاعر المكبوتة والتعامل معها بطمأنينة.
فحين يُعيد الإنسان تمثيل لحظة مؤلمة مر بها، يكتشف أنه قادر على مواجهتها دون أن تؤذيه كما كانت من قبل.
يقوم جوهر السيكودراما على ثلاثة أعمدة رئيسة: الفن، والجماعة، وعلم النفس.
وهكذا تتحول الجلسة إلى مرآة نفسية يرى فيها كل مشارك نفسه من زوايا جديدة، فيتعلَّم ويفهم ويتصالح.
أما العلاج بالفن عامة، فهو نهج يعتمد على استخدام الفنون وسيطًا للتعبير عن المشاعر الداخلية وتفريغها بطريقة آمنة. قد يتبادر الأن في ذهنك: هل يمكن للرسم أو الموسيقى أو الرقص أن تكون لغات للشفاء؟
نعم، فالموسيقى مثلًا تُهدئ القلق وتعيد تنظيم الإحساس الداخلي، ثم إن الالوان تكشف عن الأشكال المستخدمة في اللوحات وتكشف كثيرًا عن الحالة النفسية لصاحبها، أما العلاج بالحركة والرقص فيمنح الجسد فرصة للتعبير عن مشاعره المكبوتة حين تعجز الكلمات عن ذلك.

يلعب دورًا محوريًا يشبه المايسترو الذي ينسّق التفاعل بين المشاركين، فيوجّههم لاكتشاف ذواتهم من خلال الأداء والمشاعر. فهو لا يفرض سيناريو محدد، بل يفتح المجال للتعبير الحر، ويتأكد من أن كل مشهد يسير في إطار آمن وموجَّه نحو الفهم والشفاء.
فهو لا يكتفي بالمشاهدة، بل يُدون ملاحظاته عن كل شخص، يستشف منها أنماط المشكلات النفسية المحتملة، ثم يطلب منه أن يصف ما يشعر به أو يخشاه، ليبني على ذلك برنامجًا علاجيًا يناسبه داخل المجموعة.
أهم ما يجعل العلاجات الفنية مميزة حقًا هو قدرتها على منح الأشخاص الذين يصعب عليهم التعبير بالكلمات مساحة آمنة للكشف عما في داخلهم. فالفن هنا ليس أداة فحسب، بل لغة بديلة تُترجم الصمت إلى معنى. فكم من شخص اكتشف ما يختبئ في أعماقه عبر لوحة رسمها، أو لحن عزفه، أو مشهد مثَّله دون قصد!

وهو ما حدث فعلًا مع جندي من الحرب العالمية الثانية، إذ كان يعاني صدمة شديدة بعد عودته. ولم يكن قادرًا على الحديث عن معاناته، لكن عندما طُلب منه أن يُمثّل مشهد الغارة في جلسة سيكودرامية، انفجرت بداخله المشاعر التي كبتها طويلًا، بكى حتى أرهقه البكاء، ثم نام أول مرة منذ الحرب. وعندما استيقظ، قال إنه شعر وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره.
تلك القصة تختصر جوهر العلاج بالفن والسيكودراما: التحرر من الألم وفهم الذات. وهي لا تخص الجنود وحدهم، بل تمتد إلى الأطفال، والمرضى، وكل من يجد صعوبة في التعبير بالكلام. ولقد تطوَّرت هذه العلاجات منذ بدايات القرن العشرين لتصبح اليوم ركيزة أساسية في برامج العلاج النفسي الحديثة.
رغم أن العلاج بالفن يبدو حديث النشأة، فإن جذوره تمتد عميقًا في التاريخ الإنساني. فالفن لطالما كان وسيلة البشر الأولى للتعبير عن أنفسهم، سواء عبر المسرح أو الموسيقى أو الرسم على الجدران. ومن هنا يمكن القول إن فكرة السيكودراما لم تولد من فراغ، بل هي امتداد طبيعي لتجارب قديمة استخدم فيها الفن وسيلة للفهم والتطهير النفسي.
في البداية يظهر اسم (أريستوفان) كونه أحد أوائل من استخدموا المسرح أداةً للتعبير النفسي، فقد كتب نصوصًا تُحاكي الحالات الإنسانية، وطلب من ممثليه أن يُجسّدوا أدوارهم بروحهم لا بأجسادهم فقط، ليُخرجوا ما في داخلهم من مشاعر مكبوتة، وهو ما يشبه ما نفعله اليوم في جلسات العلاج النفسي عندما نحاول التعبير عمّا نحمله من الداخل.

اعتمد أريستوفان على السخرية والكوميديا وسيلة علاجية تهدف إلى التنفيس عن النفس، وهي فكرة ستتردَّد أصداؤها لاحقًا في الدراما العلاجية الحديثة.
ثم جاء بعد ذلك أرسطو ليضع الأساس النظري لهذا النوع، فقدَّم لنا مفهوم التطهير أو الكاثارسيس باليونانية، وعدَّه الغاية الأسمى من العمل التراجيدي، فحين يشاهد الإنسان معاناة الآخرين على المسرح، تنطلق مشاعره المكبوتة في عملية تفريغ آمنة، وهو ما يحدث لك عندما تشعر بالراحة بعد مشاهدة مشهد مؤثر، هذا ما يسمى (التنفيس الانفعالي) الذي تحدّث عنه علماء النفس لاحقًا، وأصبح أحد الركائز الجوهرية التي قامت عليها السيكودراما بوصفها تجربة علاجية متكاملة.
لكن التطور لم يتوقف عند الفلسفة الإغريقية، فمع مرور الزمن، ظهر المفكر الألماني (جوته) ليُقدِّم مثالًا عمليًّا على الدمج بين المسرح والعلاج النفسي في مسرحيته (ليلة)، فنجده يجعل أفراد عائلة المريض أنفسهم هم من يُمثِّلون أوهامه وهلاوسه أمامه، في محاولة لفهم عالمه الداخلي ومشاركته صراعاته بدلًا من تركه وحيدًا فيها.
وبذلك ولدت فكرة العلاج بالمجموعة، وحينئذ نستطيع القول إن المسرح تحوَّل إلى مساحة علاجية حقيقية تساعد على التوازن النفسي وتفكيك العقد النفسية بطريقة فنية وإنسانية في وقت واحد.

جاءت الحرب العالمية الثانية، ومعها سيل من الصدمات النفسية (والتي تم تسميتها لاحقًا باسم: اضطراب مع بعد الصدمة PTSD) التي حملها كثير من الجنود العائدون من الجبهات، فكيف يمكن لذهن أنهكه القتال أن يجد طريقه إلى السلام؟ كانت الحاجة ماسَّة جدًّا لوسائل جديدة تُعيد إليهم توازنهم النفسي، وفي هذا السياق ظهر الطبيب (جاكوب مورينو) الذي أصبح لاحقًا الأب الروحي للسيكودراما الحديثة.
تتلمذ مورينو على يد (فرويد) لكنه اختار أن يسلك طريقًا آخر تمامًا، فحين كان فرويد يغوص في تحليل النفس وتفكيكها إلى أجزاء؛ أراد مورينو أن يُعيد بناء الشخصية ويمنحها التكامل من جديد. وقد لخَّص فلسفته الشهيرة بقوله: «أنت تحلل الناس إلى أجزاء، وأنا أعيد تكوينهم من جديد» فأيهما أقرب لفهم الإنسان كما هو؟ التحليل أم البناء؟ سؤال ظل يشغل كثيرين بعده.
وجاءت لحظة التحوُّل حين شاهد مورينو مجموعة من الأطفال يؤدون أدوار آبائهم ومعلميهم، فلاحظ كيف يُعبِّرون عن مشاعرهم ومشكلاتهم باللعب التلقائي دون خوف أو تكلُّف. وانطلاقًا من ذلك وُلدت فكرة (لعب الأدوار) كونه أساس العلاج بالسيكودراما، إذ يصبح تمثيل الدور وسيلة للتنفيس والفهم وإعادة التوازن الداخلي.
ولاحقًا أسس مورينو ما سماه (المسرح التلقائي)، وهو نوع جديد من المسرح لا يعتمد على نصوص مكتوبة أو أزياء أو ديكورات، بل على التعبير الحر بالجسد والمشاعر، وعلى الرغم من أن الهدف كان صغيرًا لكنه عميقًا في الوقت نفسه، وهو: أن يُعبِّر الفرد عن ذاته كما هي، دون أقنعة أو تمثيل مصطنع. واستخدم مورينو هذا الأسلوب مع البالغين، لا سيما مع الجنود الذين أنهكتهم الحرب، ليجدوا فيه وسيلة حقيقية للشفاء وإعادة الاندماج في الحياة.
وقد خطا مورينو خطوته الكبرى في عام 1945 بتأسيس أول جمعية للسيكودراما في الولايات المتحدة، لتنطلق المدرسة الكلاسيكية للسيكودراما إلى العالم كله، ومنذ ذلك الحين، لم تعد السيكودراما تجربة مسرحية محدودة فحسب، بل تحوَّلت إلى منهج علمي متكامل يجمع بين الفن والعلاج النفسي، وبين الخيال والواقع، وبين المشاعر والكلمة.
والآن نستطيع القول: إن السيكودراما ليست تاريخًا لفنٍّ علاجي فحسب، بل هي حكاية الإنسان مع ذاته، بداية من المسرح الإغريقي إلى الجلسات العلاجية الحديثة، فيكتشف الإنسان نفسه وهو يحكي ويمثِّل، فالفن هنا ليس ترفيهًا، بل وسيلة للنمو واكتشاف الذات، فهو طريق يجد فيه الإنسان راحته وشغفه، ويُدرك أن ما تكسر في داخله يمكن أن يُرمِّم مرة أخرى، وأن التوازن بين القلب والعقل ممكن.
وكل تجربة سيكودرامية صادقة تُجيب عن السؤال: هل يمكن أن يكون الفن طريقنا نحو الشفاء؟ فهي باختصار (عودة الإنسان إلى نفسه بواسطة الفن).
وأخيرًا، هل شعرت يومًا أن في داخلك ما لا تستطيع التعبير عنه بالكلمات؟ ابدأ رحلتك مع السيكودراما وتعلَّم كيف تستخدم الفن لفهم ذاتك وشفاء روحك، مع د. إيمان الزيات في دورة العلاج بالفن على منصة تعلَّم.
Reply to Comment