أن تكتب للطفل يعني أن تخلع نعليك على عتبة عالم صغير لا يشبه أي عالم آخر؛ عالم لا تفتح أبوابه بالقواعد الصارمة، بل باللطف والخيال والقدرة على الإصغاء لما لا يقال. ففي المسافة الهادئة بين ابتسامة طفل وتساؤله، تبدأ رحلة الكاتب الحقيقية: كيف يضع كلماتٍ صغيرة بحجم أصابعهم، لكن واسعة بقدر ما يملكه خيالهم من أبواب مفتوحة؟
إن أساسيات الكتابة للطفل ليست تعليمات جامدة ولا وصفات محفوظة، بل هي طريقة لكيفية الوصول إلى قلب الطفل دون ضجيج، وإلى فكره دون أن نفرض عليه فكرة، وصوغ حكاية يراها كما لو كانت مرآته الصغيرة يشعر معها بأن العالم يمكن أن يُحكى بلغة تشبهه وتدهشه وتحتضنه.

قبل أن تبدأ، اسأل نفسك: لمن أكتب؟ قد تبدو القصة التي تدهش طفلًا في الخامسة ثقيلة على طفل في الثالثة، في حين يقرأها صاحب التاسعة كأنها تمر أمامه بسرعة لا تمسه أصلًا؛ لذلك تأتي معرفة المرحلة العمرية خطوة أولى، خطوة تقول للقصة: من هنا نبدأ.
فالطفولة المبكرة (3–6 سنوات) تشبه مسرحًا تتحرك فيه الأشياء كلها: الكرسي يتحدث، واللعبة تغضب، والخيال وحده يقود الرحلة. أمَّا في الطفولة المتوسطة (5–9 سنوات)، يبدأ الطفل في السؤال، لا فضولًا منه فحسب، بل بحثًا عن معنى.
ثم تأتي الطفولة المتأخرة، فتظهر ملامح الهوية ويكبر الصوت الداخلي قليلًا، وكل مرحلة تحتاج لغة تناسبها، وصورًا تلائم قدرتها على الفهم، وعدد كلمات لا يرهقها، فالكلام يجب أن يكون على قدر العقول.
اللغة التي تخاطب الطفل لا يجب أن تكون خفيفة حتى التفاهة، ولا ثقيلة حتى التعقيد، بل لغة متوازنة مناسبة لعمر الطفل، ويتحقق ذلك بالجملة القصيرة، والمفردة الجديدة التي تأتي بها هدية صغيرة له تثير فضوله دون أن تشتته، مع استخدام الفعل المضارع الذي يضخ في السرد حياة تجعل الموقف يحدث الآن أمامه تمامًا، ومع كل سنة يكبر فيها الطفل، تكبر معه لغة النص خطوة خطوة، لا قفزة واحدة؛ حتى لا تربكه.
لا تظن أن وضع الصور في قصص الأطفال ترفًا أو أمر مكملًا بصريًّا، بل إنها تمثل نصف الحكاية، وأحيانًا قلبها كله، ولهذا تجد أن الطفل يقف طويلًا أمام صورة واحدة كأنه يدخل بسببها إلى عالم آخر. وهنا لا يصح أن تشرح الكلمات ما تستطيع الصورة قوله.
فالتعاون بين الرسمة والجملة هو ما يصنع الدهشة، والحكاية الصامتة مثال على ذلك؛ إذ يمكن للصورة وحدها أن تسرد قصة كاملة دون كلمة واحدة!، ومن قال إن السرد يحتاج دائمًا صوتًا؟
نأتي إلى المرآة التي يرى فيها الطفل نفسه، فالطفل يبحث دائمًا عن نسخة منه داخل القصة، أي بجد: طفل يفهمه ويخاف مثله ويفرح بالطريقة نفسها، وقد يخطئ أيضًا، فلا بأس أن يحمل البطل ضعفًا صغيرًا أو صفة يود الطفل التغلب عليها؛ فالحكايات ليست لخلق نموذج مثالي، بل لخلق شخص يستطيع أن يتغير. والأهم أن يكون الحل نابعًا من البطل نفسه لا من معجزة تهبط فجأة! فالطفل يتعلم أكثر حين يرى أن القوة كانت موجودة بداخله طول الوقت، تنتظر فقط من يوقظها.
مثلما بسير طفل نحو لعبته المفضلة، تسير الحبكة، بداية تشده وسط يثير فضوله ونهاية تمنحه الطمأنينة، ففي البداية نعرفه بعالم البطل ومشكلته، ثم نأخذه إلى محاولات نجاح وفشل، ليشعر أن الطريق حيّ.
وعند النهاية تأتي لحظة الحل الواضح الذي يرضي قلب الطفل ويجعله يفهم الدرس دون أن يتلقاه كأنه وصية مباشرة. فما أجمل من عبرة تأتي من بين السطور من دون أن تقول بصوت مرتفع: (خذ العبرة الآن).
الضمير هو باب الدخول إلى الحكاية، فالضمير الذي يختاره الكاتب ليس تفصيلًا لغويًّا، بل طريقة دعوته للطفل كي يجلس إلى جواره، فمثلًا ضمير المتكلم يعطي إحساسًا بأن البطل يحكي قصته بنفسه.
أما ضمير الغائب فيتيح مساحة للرواية الهادئة، أمَّا ضمير المخاطب فهو يدعو الطفل مباشرة إلى المشاركة: تخيَّل… انظر… ماذا لو؟ المهم أن يظل الضمير ثابتًا كي لا يشعر الطفل أنه يتحرك بين بوابات سرد مختلفة.
القصة الجيدة للطفل تعرف متى تتوقف. فالإطالة تربكه، والاختصار المفرط يضعفه. وغالبًا لا تحتاج القصة إلى أكثر من خمسمائة كلمة؛ كلمات تمشي بخفة، لا تكرر نفسها، ولا تحمل أوصافًا زائدة، فخير الكلام ما قل ودل، والطفل يعرف هذا بالفطرة.
التشويق والدعابة يمثلان الهواء الذي يتنفسه الطفل في القصة، فكثيرًا ما نجد الطفل يقلب الصفحة بدافع الفضول ويدخل قلب القصة، لذلك تأتي الجملة المشوقة في نهاية الفقرة كأنها تقول: (لحظة… هناك شيء قادم!).
أما الدعابة، فهي ليست ضحكة فحسب، بل قناة تربط الطفل بالحكاية، فضحكة خفيفة لا تكسر الجو ولا تبتعد عن الفكرة، لكنها تمنحه استراحة لطيفة بين الأحداث.
في النهاية، أعلم صديقي الكاتب أن الكتابة للطفل ليست درسًا في الأخلاق، بل مساحة يُسمح فيها للمشاعر أن تتحرك دون خوف، والقصة التي تترك أثرًا في الطفل ليست تلك التي تقول له: افعل ولا تفعل، بل تلك التي تجعله يرى نفسه وهو يفعل، ويتعلّم من تلقاء ذاته.
فقد يتعلم الكاتب نفسه شيئًا جديدًا… ولم لا والأطفال لديهم طريقة لطيفة في تعليم الكبار دون أن يقصدوا!
ختامًا، إذا كنت تريد أن تصل إلى قلب الطفل بالكلمة الصحيحة والصورة التي تفتح له باب الخيال، فابدأ رحلتك الآن مع كورس الكتابة للطفل من هاني قدري على منصة تعلّم، وتعلّم كيف تصنع نصًا يراه الطفل مرآته ويقرأه بشغف.